العيني
30
عمدة القاري
صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تأكلوا بالشمال فإن الشيطان يأكل بالشمال ) ، وقال الطيبي : معنى قوله : إن الشيطان يأكل بشماله ، أي : يحمل أولياءه من الإنس على ذلك ليضاربه عباد الله الصالحين ، وقال بعضهم : فيه عدول عن الظاهر والأولى حمل الخبر على ظاهره ، وأن الشيطان يأكل حقيقة لأن العقل لا يحيل ذلك ، وقد ثبت الخبر به فلا يحتاج إلى تأويله . قلت : للناس فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن صنفا منهم يأكلون ويشربون . والثاني : أن صنفا منه لا يأكلون ولا يشربون . والثالث : أن جميعهم يأكلون ولا يشربون . وهذا قول ساقط . وروى أبو عمر بإسناده عن وهب بن منبه . بقوله : وسئل عن الجن ما هم ؟ وهل يأكلون ويشربون ويتناكحون ويموتون . فقال : هم أجناس ، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون ، ومنهم أجناس يأكلون ويشربون ويتوالدون ويتناكحون ، منهم السعالي والغول والقطرب وغير ذلك ، والذين يقولون : هم يأكلون ويشربون اختلفوا على قولين : أحدهما : أن أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ وبلع ، وهذا قول لم يرد عليه الدليل ، والآخر : أن أكلهم وشربهم مضغ وبلع ، وهذا القول الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة . 3 ( ( بَابُ : * ( الأكْلِ مِمَّا يَلِيهِ ) * ) ) أي : هذا باب في بيان سنية الأكل مما يليه ، وليس في بعض النسخ لفظ : باب . وَقَالَ أنَسٌ : قَالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم : اذْكُروا اسْمَ الله وَلْيأكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ . هذا تعليق أسنده ابن أبي عاصم في الأطعمة : له حدثنا هدبة حدثنا مبارك حدثنا بكر وثابت عن أنس به وأصله في ( الصحيحين ) . 5377 حدَّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ عَبْدِ الله قَالَ : حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ عَمْروٍ ابنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ وَهْبٍ بنِ كَيْسَانَ أبِي نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بنِ أبِي سَلَمَةَ ، وَهُوَ ابنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ ، صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أكَلْتُ يَوْما مَعَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم طعاما ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ . فَقَالَ لِي رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا طريق آخر لحديث عمر بن أبي سلمة المذكور في الباب الذي قبله . وأخرجه مسلم أيضا من حديث محمد بن جعفر محمد بن عمرو بن حلحلة عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة . قال : أكلت يوما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت آخذ من لحم حول الصحفة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل مما يليك . 5378 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ أخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ وَهْبِ بنِ كَيْسَانَ أبِي نُعَيْمٍ قَالَ : أُتِيَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِطَعامٍ وَمَعَهُ رَبِيبُهُ عُمَرُ بنُ أبِي سَلَمَةَ . فَقَالَ : سَمِّ الله وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ . هذا مرسل ، كذا رواه أصحاب مالك في ( الموطأ ) عنه ، وقد وصله خالد بن مخلد ويحيى بن صالح الوحاظي ، قالا : عن مالك عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة . فإن قلت : روى إسحاق بن إبراهيم الحنيني فقال : عن مالك عن وهب بن كيسان عن جابر ؟ قلت : هذا منكر ، وإسحاق ضعيف فإن قلت : فكيف استجاز البخاري إخراجه والمحفوظ عن مالك إرساله ؟ قلت : لما تبين بالطرفين الذي قبله صحة سماع وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة تحقق أنه موصول في الأصل وأن مالكا قصر بإسناده حيث لم يصرح بوصله ، فاستجاز إخراجه . 4 ( ( بَابُ : * ( مَنْ تَتَبَّعَ حَوَالِي القَصْعَةِ مَعَ صَاحِبِهِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ كَرَاهِيَةً ) * ) ) أي : هذا باب في بيان جواز من تتبع حوالي القصعة أي : جوانبها وهو بفتح اللام . يقال : رأيت الناس حوله وحوليه وحواليه ، واللام مفتوحة في الكل ، ولا يجوز كسرها . قوله : ( إذا لم يعرف منه ) ، أي : من الذي يتتبع حوالي القصعة ، أراد أن التتبع المذكور إنما لا يكره إذا لم يعرف منه كراهية . قلت : هذا يخالف الحديث الذي قبله في الأمر بالأكل مما يليه ؟ قلت : حمل البخاري هنا الجواز على ما إذا علم رضا من يأكل معه . وقال بعضهم : رمز البخاري بذلك إلى تضعيف حديث عكراش الذي أخرجه